يعيد تعثر الحصول على تصاريح زراعة الأراضي الواقعة على ضفاف بحيرة ناصر إحياء مطالب النوبيين بالعودة إلى أراضيهم التاريخية، بعدما تحولت محاولة مجموعة من شباب قرية دابود للحصول على تصاريح لزراعة البطيخ إلى حشد أوسع للمطالبة بحقوقهم في الأرض والتنمية. ويرصد الكاتب معتز حجاج كيف أعادت هذه التحركات النقاش حول الحق الدستوري للنوبيين في العودة، بعد سنوات من تعثر تنفيذ هذا الحق.


وفي تقرير نشرته «مدى مصر»، يتتبع حجاج التحركات التي بدأت بمطلب محدود يتعلق بتصاريح الزراعة، قبل أن تتسع لتشمل مطالب بالعودة إلى الأراضي النوبية التاريخية وتنميتها، بالتزامن مع تحركات حكومية لتعويض بعض المتضررين من موجات التهجير التي ارتبطت ببناء خزان أسوان والسد العالي. ويؤكد قادة نوبيون أن ملف التعويضات يختلف عن الحق الدستوري في العودة.


 

تصاريح الزراعة تشعل تحركًا نوبيًا جديدًا


قبل خمسة أشهر، حاولت مجموعة من الشباب من قرية دابود النوبية التقدم بطلبات للحصول على تصاريح من هيئة تنمية بحيرة ناصر لزراعة البطيخ على ضفاف البحيرة.


وطُلب من الشباب العودة في أغسطس أو أوائل سبتمبر، وهي الفترة التي تفتح فيها طلبات التصاريح عادةً، لكنهم فوجئوا عند عودتهم بعدم وجود تصاريح متاحة، رغم مواصلة مزارعين آخرين العمل في المنطقة.


وتوجهت المجموعة بعد ذلك إلى قوات حرس الحدود المصرية، لكنها لم تتمكن من مقابلة المسؤول الذي كانت تسعى إلى الوصول إليه. وخلال وجودهم هناك، شاهد الشباب أشخاصًا آخرين يدخلون ويخرجون بتصاريح لأنشطة مختلفة، وفقًا لأحد الشباب الذي تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته.


وقال الشاب: «جلسنا هناك ثلاث ساعات حتى غادر الجميع المكان وبقينا نحن وحدنا».


وبعد ثلاثة أيام، قرر الشباب التحرك بأنفسهم، فنشروا مقطع فيديو على الإنترنت في 4 سبتمبر، دعوا فيه إلى عقد مؤتمر جماهيري نوبي في الأسبوع التالي لمناقشة مطالبهم ودور المجتمع النوبي في تنمية منطقة بحيرة ناصر.


وبحسب المصدر نفسه، الذي ساعد أيضًا في تنظيم المؤتمر، بدأ مسؤولون ونواب ووسطاء فجأة في التواصل معهم، وعرضوا توفير بئرين للزراعة وفرصًا في مجال الصيد، إلى جانب مناقشة ترتيبات لعقد لقاءات مع مسؤولين حكوميين وأجهزة أمنية.


وقال: «قبل الفيديو، لم يكن أحد يتحدث معنا».


لكن العروض جاءت بالتوازي مع ضغوط، إذ بدأ منظمو المؤتمر في تلقي تهديدات بتأجيل الفعالية أو إلغائها، وفقًا للمصدر، الذي رفض تحديد هوية المسؤولين عن هذه التهديدات.


وأُبلغ المنظمون بإمكان لقاء مسؤولين من جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي يرأسه العقيد طيار بهاء غانم، ويتولى الإشراف على مشروعات زراعية وتنموية كبرى، شريطة تأجيل المؤتمر.


لكن المنظمين رفضوا ذلك. وقال أحدهم: «يمكننا التفاوض، ومع ذلك لا نلغي المؤتمر أو نؤجله. لقد وعدنا النوبيين».


وتعود موجة التحرك الجديدة في دابود حول الوصول إلى الأراضي والفرص الاقتصادية إلى تهجير المجتمعات النوبية من أراضيها التاريخية، وما تبع ذلك من مطالب مستمرة بالعودة عبر موجات متعاقبة من التهجير بدأت عام 1898 مع بناء خزان أسوان.


وأعاد التحرك الجديد، ومنه «المؤتمر الجماهيري النوبي» الذي عقد في 10 سبتمبر، القضية التاريخية إلى دائرة النقاش خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع تحرك حكومي لمعالجة مستحقات التعويضات العالقة للنوبيين الذين هُجّروا بسبب بناء السد العالي. ويصر قادة نوبيون على الفصل بين هذه التعويضات والحق الدستوري في العودة.


 

الحق الدستوري في العودة يصطدم بقرارات الدولة


اعترف دستور 2014 صراحةً بحق النوبيين في العودة، إذ نصت المادة 236 على مسؤولية الدولة عن تنمية المنطقة وتمكين النوبيين من العودة إلى أراضيهم الأصلية بحلول عام 2024.


وفي العام نفسه، شكلت وزارة العدالة الانتقالية لجنة لإعداد مشروع قانون يتعلق بتنمية النوبة وإعادة توطين أبنائها، وضمت اللجنة ممثلين عن النوبيين إلى جانب جهات رسمية.


وتُلزم المادة 236 من الدستور الحكومة بتيسير عودة المواطنين النوبيين إلى موطنهم الأصلي.


لكن الدولة لم تنفذ هذا الالتزام، بحسب التقرير، بل قوضت مشروع العودة من خلال قرارين جمهوريين صدرا عامي 2014 و2016، ووضعا أراضي نوبية تاريخية تحت سيطرة الدولة.


وحدد القرار الجمهوري رقم 444 لسنة 2014 أجزاء من المنطقة الحدودية باعتبارها مناطق عسكرية لا يجوز للمدنيين الإقامة فيها، ما حال فعليًا دون عودة النوبيين إلى 16 قرية تاريخية.


وبعد عامين، خصص القرار الجمهوري رقم 355 لسنة 2016 نحو 922 فدانًا من أراضي الدولة لمشروع تنمية توشكى الجديدة، وشمل موقع قرية فركند النوبية التاريخية.


وأشعلت هذه القرارات موجة من التنظيم والتحرك النوبي. ففي نوفمبر 2016، منعت قوات الأمن «قافلة العودة النوبية» المؤلفة من 25 سيارة من الوصول إلى توشكى، حيث كان المشاركون يعتزمون الاحتجاج على إدراج فركند ضمن مشروع التنمية المدعوم من الدولة.


وتحول الحاجز الأمني إلى اعتصام استمر أربعة أيام على طريق أسوان-أبو سمبل، قبل أن يعلّق المحتجون الاعتصام لمواصلة التفاوض مع الحكومة.


وفي سبتمبر 2017، ألقت قوات الأمن القبض على 25 مشاركًا في «مسيرة الدفوف»، التي جددت المطالب بتفعيل المادة 236 من الدستور. وبعد شهرين، توفي الناشط النوبي جمال سرور، وكان أحد المحتجزين، إثر تعرضه لأزمة مرتبطة بمرض السكري أثناء احتجازه.


وتراجعت تحركات المطالبة بالعودة إلى حد كبير بعد وفاة سرور.


وأعادت تحركات شباب دابود، وكثير منهم في العشرينيات من العمر، القضية المتعثرة إلى المجال العام، انطلاقًا من مطلب أصغر وأكثر تحديدًا يتعلق بالحصول على تصريح لزراعة الأراضي الواقعة على ضفاف بحيرة ناصر.


وخلال الأيام التالية، أعلن عضو مجلس الشيوخ ياسين عبد الصبور تواصله مع مسؤولين في جهاز مستقبل مصر وهيئة تنمية بحيرة ناصر.


كما عقد لقاءً مع نواب ومسؤولين وممثلين عن جمعية السيالة والمحرق للتنمية المجتمعية، وهي منظمة غير حكومية تنشط في الشؤون الاجتماعية بدابود، إلى جانب الاتحاد العام للنوبيين.


وكتب عضو مجلس الشيوخ على فيسبوك أن الجمعية حصلت خلال اللقاء على بئرين، إلى جانب فرص في مجالات الاستزراع السمكي والسياحة والتعدين والاستثمار والإسكان.


لكن منظمي المؤتمر لم يشاركوا في لقاء عبد الصبور، بعدما كانوا قد سلموا مطالبهم إلى النواب وطلبوا منهم نقلها، موضحين أنهم قرروا عدم حضور اجتماعات قبل انعقاد المؤتمر خشية أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الحشد. كما شددوا على أن أي فرد أو جمعية لا ينبغي أن تتحدث باسمهم.


 

مطالب العودة تتجاوز الزراعة إلى مستقبل النوبة التاريخية


قدم عبد الصبور اللقاءات باعتبارها محاولة لتحويل «المطالب إلى حلول»، بينما رأى منظمو المؤتمر أن الآبار وفرص الاستثمار لا تعالج سوى بعض مطالبهم، ولا تجيب عن القضية الأكبر التي تشكل محور المؤتمر، وهي الحق الدستوري في العودة وتنمية الأراضي النوبية التاريخية.


وسرعان ما ظهر خلاف حول الجهة التي يحق لها التحدث باسم الحركة. وقبل انعقاد المؤتمر، قال المنظمون إن قيادات نوبية محلية أغلقت مقر جمعية السيالة والمحرق لمنع استخدامه في تنظيم الفعالية.


لكن المؤتمر انعقد في الشارع يوم 10 سبتمبر.


وبحلول ختامه، توسعت أجندته من المطالبة الأصلية بتصريح لزراعة الأراضي على ضفاف البحيرة إلى مطالب أوسع بعودة النوبيين إلى أراضيهم التاريخية وتنميتها.


ودعا المشاركون في بيان إلى تشكيل لجنة تضم الشباب والمتخصصين وممثلي القرى والكيانات النوبية، لإجراء حوار يستند إلى الضمانة الدستورية. كما طالبوا بعقد لقاءات مع ممثلين عن وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات العامة والحربية وجهاز مستقبل مصر والوزارات المعنية، إلى جانب تنظيم زيارات إلى الأراضي النوبية السابقة لتحديد المناطق المناسبة لإعادة التوطين.


ودعا البيان أيضًا إلى تنفيذ مشروعات زراعية واستزراع سمكي وتعدينية وصناعية وسياحية، إلى جانب إنشاء قرى جديدة.


وشدد أحد المنظمين على أن إعطاء النوبيين الأولوية في مشروعات التنمية لا ينبغي أن يعني إبعاد الأشخاص الذين يعيشون حاليًا في المنطقة.


وقال لـ«مدى مصر»: «أنا لا أقول أخرجوا الناس الموجودين هناك. لا، أنا أريد المشاركة، ويجب أن تكون لي الأولوية».


ووصف مشاركته بأنها تشمل الصيد والزراعة والتعدين والسياحة، لكنه قال إن هذه المشاركة ينبغي أن ترتبط بعودة النوبيين المضمونة إلى منطقة يستطيعون العيش فيها فعليًا، بدلًا من مجرد تخصيص منازل بعينها أو قطعة أرض لهم.


وقال منظم آخر: «لا تعطوني أرضًا وتقولوا لي اذهبوا وأقيموا في العراء»، محذرًا من تكرار إخفاقات مشروعات إعادة التوطين السابقة.


واستشهد بوادي كركر، وهو مشروع لإعادة التوطين أُنشئ لمجموعة من النوبيين الذين هُجّروا في ستينيات القرن الماضي، رغم وقوعه خارج المناطق التي اقتُلعوا منها.
 

وأثار المشروع انتقادات بسبب موقعه، ومن بينها بُعده عن البحيرة، فضلًا عن افتقاره إلى الأراضي الزراعية والمشروعات المدرة للدخل التي تدعم المجتمع.


وقال المنظم: «لا تلقوني في مكان ما وتقولوا لي: هناك، لقد عدت. أعطني مشروعًا أعيش منه».


وبعد المؤتمر، شكل المنظمون مجموعة أطلقوا عليها اسم «ائتلاف تنمية وإعمار النوبة التاريخية»، وضمت شبابًا وأشخاصًا من ذوي الخبرات ذات الصلة.


وسرعان ما ظهر خلاف جديد حول التمثيل، بعدما جرى تداول دعوة لعقد مؤتمر ثانٍ في دابود.


وأصدرت القرية بيانًا نفت فيه تنظيم المؤتمر، وأكدت دعمها لمخرجات مؤتمر 10 سبتمبر، مع رفضها «المسارات الموازية» التي قد تؤدي إلى تفتيت الجهود.


وبينما كان المنظمون ينسقون لعقد المؤتمر الأول، أصدر مجلس الوزراء في 7 سبتمبر قرارًا بتعويض 94 شخصًا أو ورثتهم، ممن لم يحصلوا سابقًا على تعويضات عن الخسائر الناتجة عن بناء خزان أسوان ورفع منسوبه لاحقًا أو بناء السد العالي.
 

ونص القرار على تعويضات تشمل الأراضي والمساكن والمبالغ المالية.
 

لكن ممثلي المجتمع النوبي شددوا على أن التعويضات لا ينبغي أن تحل محل الحق الدستوري في العودة. وأكدت لجنة متابعة النوبيين في الإسكندرية هذا الفصل بين الملفين في عام 2019 أيضًا.
 

وأكد المحامي النوبي حسن محمد حسن، وهو عضو في الحزب الناصري بأسوان، التمييز نفسه في حديثه إلى «مدى مصر». وقال إن التعويض يتعلق بفقدان منزل أو أرض نتيجة بناء خزان أسوان والسد العالي، بينما تتعلق العودة بإعادة توطين النوبة التاريخية وتنميتها.


وبالتالي، لا يؤدي الحصول على التعويض، بحسب حسن، إلى إسقاط الحق في العودة.
 

وحدد الائتلاف الجديد موقفه لاحقًا في بيان، وصف فيه التعويضات بأنها «خطوة نحو جبر الضرر»، لكنها ليست جوهر القضية.

 

وبالنسبة إلى الشباب الذين وقفوا وراء مؤتمر 10 سبتمبر، وفي ظل الخلافات المتعلقة بالتمثيل، رأى أحد المنظمين أن الخطوة التالية تتمثل في إنشاء هيئة تفاوضية لا يستطيع أي شخص الادعاء بتمثيلها دون تفويض.
 

كما طالبوا بإجراء حوار حول المادة 236 ووضع جدول زمني لتنفيذها.
 

وقال أحد المنظمين: «نحن لا نقول: أعطونا كل المطالب دفعة واحدة. إذا أعطيتمونا شريطًا واحدًا من الأرض، فلا بأس. لكن أخبرونا متى سنحصل عليه وكيف».
 

وهكذا ارتبط طلبهم الأولي بزراعة الأراضي على ضفاف البحيرة بمطالب قديمة لدى المجتمعات والكيانات النوبية، ليعيد إحياء المظلمة التاريخية بعد نحو تسع سنوات من آخر موجة تحرك كبرى.
 

ولا يقتصر التحرك الجديد على المطالبة بالزراعة والاستثمار في النوبة التاريخية، وإنما يدفع أيضًا نحو منح النوبيين دورًا في تحديد مستقبل المنطقة، وإحياء الوعد الدستوري بالعودة، رغم انقضاء الموعد المحدد لتنفيذه.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/09/17/news/u/push-for-farming-access-at-lake-nasser-reignites-demand-for-nubian-right-of-return/